المقالات و البحوث من منطلقات العلاقات الشرق والغرب (الاستشراق- المفهوم المشؤوم)

من منطلقات العلاقات الشرق والغرب (الاستشراق- المفهوم المشؤوم)
  • تاريخ النشر 2022-03-02م 1443-07-29هـ
  • عدد الزيارات 1506

المقال كامل

لعل المستشرقة ناديا أنجيليسكو قد أجابت على التساؤلات التي طرحت في مطلع هذه الوقفة؛ إذ إن القدرة على التمييز والتمحيص، التي اتسم بها الفكر العربي والإسلامي، قد وفِّقت إلى تعرية الاستشراق وبيان ما حمل من ضرر على الفكر في إجماله، وبالتالي كانت هناك أطروحات قوية وقفت في وجه الاستشراق والمستشرقين، كان من ضمنها المناظرات والمحاورات، مما أدى في ضوء ذلك إلى تقليص النفوذ الاستشراقي، ثم توجه المستشرقين إلى العلوم الأخرى بجانبها الإعلامي، والرغبة في الظهور الإعلامي تعليقًا على الأحداث المتتالية التي تعصف بالمنطقة من وجهة نظر تظل استشراقية، مما يولد مصطلحًا جديدًا، قد يصدق عليه الاستشراق الإعلامي أو الصحفي، وربما الإعلام الاستشراقي.

 

وفي هذا التوجه الأخير خروج قد لا يكون مرغوبًا فيه من قبل المستشرقين الذين لا يزالون يتمسكون بالمصطلح المطلق "الاستشراق"، دونما تقييده بأي صفة، حتى تلك الصفة التي يراد منها الإبقاء عليه متميزًا عن أي طرح سطحي للحاضر، بما يكتنفه من أحداث متسارعة طغى عليها البعد السياسي، وإن تكن في أصلها موجهة إلى البعد العَقَدي.

 

فقد ظهر من ينعت الاستشراق الأصيل بالاستشراق التقليدي، أو ربما يعبر عنه بالاستشراق الكلاسيكي[1]، ويرى أنه "لا يزال الكثير من المستشرقين سجناء الاستشراق،إنهم منغلقون على أنفسهم داخل غيتو، وهم سعداء في ذلك غالبًا! بل إن مفهوم الاستشراق نفسه ناتج عن ضرورات عملية عابرة، التقى عندها العلماء الأوروبيون المتمرسون بدراسة الثقافات الأخرى،وقد تدعم هذا المفهوم بواسطة هيمنة مجتمعهم على المجتمعات الأخرى، وشوهت هذه الحالة بقوة رؤيتهم للأشياء"[2].

 

وكذا التوجه إلى تحوير المصطلح إلى أي مصطلح آخر قد يكون مقبولًا في هذا الزمان بديلًا عن مصطلح الاستشراق، ولكنه قد يتحول إلى أن يكون العاملون فيه شخصياتٍ مشؤومةً في الوطن العربي والعالم الإسلامي فيما يأتي من الزمان.

 

والتهرب من المصطلح لا يعفي من استمرار التمسك بالمضمون، وهو، أو منه، النظر إلى ثقافةٍ بعيون ثقافيةٍ أخرى، وعدم القدرة على تلبس الثقافة المنظور إليها، في ضوء التمسك بالثقافة الناظرة، بما تحمله هذه الثقافة المنظور منها تجاه الثقافة المنظور إليها من منطلقات دينية وتاريخية وسياسة واقتصادية، ثم أخيرًا اجتماعية وأنثروبولوجية[3].

 

على أنه من المهم هنا ألا يفهم هذا الطرح على أنه توجه أو رغبة في وصد الباب أمام الآخر، ليتعاطى الثقافة الإسلامية والعربية، فهذه رغبة لا تحصل ولم تحصل ولن تحصل؛ إذ إن هذه الثقافة مثار جدل ونقاش طويل عريض، طويل من حيث المدى التاريخي والمستقبلي[4]، وعريض من حيث الاهتمامات وتفرُّع هذه الثقافة مع ترابطها.

 

وإذا كان الاستشراق من محددات العلاقة بين الشرق والغرب فإن الملحوظ هو تقهقر وجود المستشرقين في المحافل الفكرية والأدبية والثقافية في العالمين الغربي والشرقي الإسلامي، بينما كانوا من قبل محط الاهتمام المبني على الانبهار بما أتقنوه من الثقافة الإسلامية واللغة العربية، حتى لقد قال أحدهم عنهم: إنهم فهموا هذا الدين أفضل من فهم أهله له[5]، وقال أحدهم عنهم عند النقاش عن النفع والضرر: إن نفعهم أكثر من ضررهم[6]، فرد عليه من قال عنهم: إن ضررهم أكثر من نفعهم[7].

 


[1] انظر: مكسيم رودنسون،وضع الاستشراق المختص بالإسلاميات: مكتسباته ومشاكله - ص 85 - 87 - في: هاشم صالح، معد ومترجم،الاستشراق بين دعاته ومعارضيه،مرجع سابق - ص 261.

[2] انظر: مكسيم رودنسون،الدراسات العربية والإسلامية في أوروبا - ص 39 - 83،في: هاشم صالح/ معد ومترجم،الاستشراق بين دعاته ومعارضيه - المرجع السابق - ص 261.

[3] انظر: رضوان السيد،الصراع على الإسلام من الاستشراق إلى الأنثروبولوجيا - التسامح - مرجع سابق - ص 71 - 81.

[4] انظر: محمد محفوظ،الإسلام، الغرب وحوار المستقبل - الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1998م - ص 230.

[5] انظر: محمود محمد شاكر،رسالة في الطريق إلى ثقافتنا - القاهرة: دار الهلال، 1408هـ/ 1987م - ص 258 - (سلسلة: كتاب الهلال: 422).

[6] انظر: زكي مبارك،نفعهم أكثر من ضررهم - الهلال - ع 2 مج 42 (12/ 1933م/ 8/ 1352هـ) - ص 325 - 328.

[7] انظر: حسين الهواري،ضررهم أكثر من نفعهم - الهلال - ع 2 مج 42 (12/ 1933م/ 8/ 1352هـ) - ص 324.