المقالات و البحوث من منطلقات العلاقات الشرق والغرب (الاستشراق - المصطلح)

من منطلقات العلاقات الشرق والغرب (الاستشراق - المصطلح)
  • تاريخ النشر 2022-02-23م 1443-07-22هـ
  • عدد الزيارات 1584

المقال كامل

تعد ظاهرة الاستشراق محددًا من محددات العلاقات بين الشرق والغرب، إلا أن المستشرقين المعاصرين يحاولون التهرب من هذا المصطلح،فلماذا يتهرب المستشرقون الجدد من مصطلح الاستشراق؟ ولماذا بالتالي، لا يرغبون في أن يقال عنهم: إنهم مستشرقون، ويحبذون أن يقال عنهم أي شيء سوى ذلك؟ ولماذا توجه بعض الاستشراق الجديد أو الحديث أو ما بعد الاستشراق، إلى علم الإنسان أو الأنثروبولوجيا[1]؟ أسئلة تحتاج إلى عدد من الوقفات؛ ذلك أن مصطلح "الاستشراق" كان يلقى رواجًا في انطلاقة النهضة الفكرية العربية وإنشاء وزارات المعارف والثقافة، ومجامع اللغة العربية، والمجامع العلمية، ومراكز البحث العلمي، وانتشار الطباعة والكتاب والدورية والمجلة والصحيفة، فكان لهم أثر في ذلك كله مسجلٌ في الوثائق، وكان بهم انبهار فاق الحد والعقل، وكانوا محل عناية وترحيب، وافتتن بهم مفكرون عرب؛ لأنهم مستشرقون، وليس لأنهم أي شيء سوى كونهم مستشرقين.

 

وما دام هذا الأمر في خبر كان، كما هو واضح من هذا الطرح في هذه المقدمة، فإن هناك فكرة قد تكون مقبولة للتنصل من المصطلح،هذا هو الطرح القائم الآن، ولا يعرف الآن إلا عدد قليل من المستشرقين ممن يفضلون تصنيفهم أو نَعْتَهم بالمستشرقين.

 

فهذا أندريه ميكيل يرفض هذا التصنيف، ويرد على من أدخله في زمرة المستشرقين بقوله: "أنا لست مستشرقًا، وأرفض هذه الكنية،أنا عروبي سحرني الأدب العربي فانكببت عليه بحثًا ودراسة"[2]،ويقول في مقام آخر: "لست مستشرقًا، اهتمامي يدور حول اللغة والأدب العربيين، وبصفة خاصة الكلاسيكي؛ أي حتى القرن التاسع عشر، فأنا متخصص في اللغة والأدب العربيين"[3]،وكذلك المستشرق الأمريكي جون أسبوزيتو رفض هذا التصنيف، وفضَّل أن يدعى بعالم الإسلاميات.

 

وهذا المستشرق الفرنسي دومينيك شوفالييه ينكر المصطلح، ويحمله تبعاتٍ تاريخية ليست إيجابية؛ ولذلك نراه يقول: "أن تكون مستشرقًا يعني أن تكون مهتمًّا بالشرق،وأنا مؤرخ لتاريخ العرب المعاصر"[4].

 

والمستشرق الفرنسي مكسم رودنسون[5] يرى أن كلمة الاستشراق لم تعد تعني شيئًا، ويقول: "إنني لا أستطيع أن أتحدث وأستفيض فيما ليس موجودًا،كذلك أقول بأنه لا يوجد شرق، وإنما شعوب، مجتمعات ثقافات، وبالتالي لا يوجد استشراق أيضًا، وإنما توجد أنظمة علمية لها موضوعاتها وإشكالياتها النوعية، مثل علم الاجتماع والاقتصاد السياسي والألسنية والإناسة والفروع المختلفة للتاريخ"[6].

 

والمستشرق الفرنسي كذلك، جاك توبي، يؤكد على أنه مؤرخ للشرق، وليس مستشرقًا،وعندما سأله أحمد الشيخ على أنه مستشرق قال: "مستشرق لا، كما لا أعرف إذا كان ما يزال هناك وجود لبعض المستشرقين أم لا،هذا مصطلح قديم"[7].

 

وهذه المستشرقة الرومانية ناديا أنجيليسكو تتهرب من المصطلح وتقول: "خلال زياراتي إلى البلدان العربية قدمتني الصحف أكثر من مرة بالمستشرقة الرومانية ناديا أنجيليسكو، واحتججت أكثر من مرة على هذه التسمية،طبعًا كان من أهم الأسباب لاحتجاجي أن شخصية المستشرق أصبحت مشؤومة إلى حد ما في الوطن العربي"[8].

 

وسابع هؤلاء هو برنارد لويس الذي يمقت مصطلح الاستشراق، ويدعو إلى رميه في زبالة التاريخ[9]، حيث يقول: "لقد أصبحت كلمة "مستشرق" منذ الآن فصاعدًا ملوثة"[10]،ويقول أيضًا: "وهكذا تم رمي مصطلح "المستشرق" في مزبلة التاريخ،ولكن المزابل ليست أماكن مضمونة ولا نهائية؛فالواقع أن كلمتي "مستشرق" و"استشراق" اللتين رميتا من قبل العلماء بصفتهما لا جدوى منهما قد استُعِيدتا من جديد، ووُظِّفتا ضمن معنى مختلف؛ أي ككلمتين تدلان على الشتيمة والمماحكة الجدالية"[11]،ويقول كذلك في مقام آخر: "لقد أصبحت كلمة "مستشرق" منذ الآن فصاعدًا ملوثة هي الأخرى أيضًا، وليس هناك أي أمل في الخلاص،ولكن الضرر هنا أقل؛ لأن هذه الكلمة كانت قد فقدت قيمتها، وحتى أولئك الذين كانت تدل عليهم تخلَّوا عنها، وقد تجلى هذا التخلي رسميًّا في المؤتمر الدولي التاسع والعشرين للمستشرقين، الذي عقد في باريس صيف 1394هـ/ 1973م،وكان ذلك التاريخ يصادف الذكرى المئوية لأول مؤتمر دولي للمستشرقين المجتمعين في المدينة نفسها"[12]،وليس هذا هو موقف المستشرق برنارد لويس الثابت؛ إذ سبق له تعريف الاستشراق بتفصيل أكثر التصاقًا بالنظرة العلمية[13].

 

ويمثل برنارد لويس مثالًا حيًّا للمستشرق المتطرف، الذي يمقته بعض المستشرقين والمفكرين الغربيين؛ ولذا عقدتُ له وقفةً لاحقةً يتبين فيها مدى تطرُّفه وتطرُّف مَن يُفيد منه.

 


[1] انظر: البحوث المستفيضة التي نشرتها مجلة "الاجتهاد" عن التحول من الاستشراق إلى الأنثروبولجيا في الأعداد 47 و48 و49 و50 في صيف وخريف العام 2000م/ 1421هـ وشتاء العام 2001م/ 1422هـ، وربيع 2001م/ 1422هـ.

[2] انظر: علي بن إبراهيم الحمد النملة،الالتفاف على الاستشراق - مرجع سابق - ص173.

[3] انظر: أحمد الشيخ،من نقد الاستشراق إلى نقد الاستغراب: حوار الاستشراق - القاهرة: المركز العربي للدراسات الغربية، 1999م - ص 81 - 88.

[4] انظر: أحمد الشيخ،من نقد الاستشراق إلى نقد الاستغراب: حوار الاستشراق - المرجع السابق - ص 105 - 111.

[5] توفي المستشرق الفرنسي مكسيم رودنسون في ربيع الأول 1435هـ مايو من عام 2004م،انظر آخر مقابلة معه في: جيلبير أشقر،المستشرق الفرنسي الراحل مكسيم رودنسون وشؤون الإسلام السياسي والأصولية - الشرق الأوسط - ع 15136 (5/ 9/ 2004م).

[6] انظر: أحمد الشيخ،من نقد الاستشراق إلى نقد الاستغراب: حوار الاستشراق - مرجع سابق - ص 37 - 45.

[7] انظر: أحمد الشيخ،من نقد الاستشراق إلى نقد الاستغراب: حوار الاستشراق - المرجع السابق - ص 157 - 168.

[8] انظر: ناديا أنجيليسكو،الاستشراق والحوار الثقافي - الشارقة: دار الثقافة والإعلام، 1420هـ/ 1999م - ص 72،34.

[9] انظر: أسرة تحرير التسامح،العرب والإسلام والغرب والظروف الراهنة: مقابلة مع برنارد لويس - التسامح - مرجع سابق - ص 263 - 272.

[10] انظر: برنارد لويس،مسألة الاستشراق - ص 159 - 182 - في: هاشم صالح/ معد ومترجم،الاستشراق بين دعاته ومعارضيه - ط 2 - بيروت: دار الساقي، 2000م - ص 261.

[11] انظر: برنارد لويس،مسألة الاستشراق - ص 159 - 182 - في: هاشم صالح/ معد ومترجم،الاستشراق بين دعاته ومعارضيه - المرجع السابق - ص 261.

[12] انظر: برنارد لويس،مسألة الاستشراق - في: هاشم صالح/ معد ومترجم،الاستشراق بين دعاته ومعارضيه - المرجع السابق - ص 163.

[13] انظر: عبدالله علي العليان،الاستشراق بين الإنصاف والإجحاف - الدار البيضاء: المركز العربي الثقافي، 2003م - ص 12.